الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

345

نفحات الولاية

فالعبارة كناية عن بيان الحقائق والواقعيات واظهار باطن الأمور ، والعبارة : « قرفه قرف الصمغة « 1 » » إشارة إلى أني أخرجت لكم عصارة المطالب وجوهرتها ، كما تجري تلك المادة اللزجة من الأشجار . خاض الإمام عليه السلام هنا ثانية في الحديث عن الحوادث القادمة التي ذكرها سابقاً حيث أتمها ببيان الوقائع الاجتماعية والأخلاقية والدينية للحكومات المستبدة ، وقد أوضح الآثار المختلفة الاجتماعية والدينية لهذه الحكومات . وارتباط هذا القسم من الخطبة بالأقسام السابقة واضح تماما ، وإن تخللها بعض العبارات لإيقاظ أصحابه . والعجيب ما ذهب إليه بعض شراح نهج البلاغة من مجانبة هذا القسم للأقسام السابقة بفعل عادة السيد الرضي ( ره ) في الإقتطاف ، وكأن هذا الإقتطاف الرائع للسيد أصبح ذريعة لمن لم يتأمل الارتباط بين أقسام الخطبة ليحملها جامع نهج البلاغة . ثم قال عليه السلام : « فعند ذلك أخذ الباطل ماخذه ، وركب الجهل مراكبه ، وعظمت الطاغية ، وقلت الداعية » . يمكن أن يكون للطاغية هنا معنى مصدري : أي أنّ الطغيان يكبر ويتسع على مستوى المجتمع ، كما يمكن أن يكون لها معنى اسم الفاعل ؛ أي يستفحل أمر طائفة طاغية ، ويقل عدد دعاة الحق أمامها ، فأمّا أن تقضي عليهم أو تقصيهم عن الساحة الاجتماعية ، وهذه أهم الأخطار التي تنبثق من هذه الحكومات الباطلة المستبدة التي تجهد في كم أفواه دعاة الحق . ثم قال عليه السلام : « وصال الدهر صيال السبع العقور ، وهدر فنيق الباطل بعد كظوم » . نعم فقد اقتحمت الساحة ثانية من قبيل الجماعات المنافقة وسليلة الجاهلية - التي طردت من الميدان - أثر ضعف دعاة الحق . وعلى هذا الضوء تقلب كافة الموازين والقيم : « وتوافى الناس على الفجور ، وتهاجروا على الدين ، وتحابوا على الكذب ، وتباغضوا على الصدق » . وهكذا وبمقتضى « الناس على دين ملوكهم » فانّ هؤلاء الحكام الفسقة والفجرة عديمي الدين يجدون في طبع الامّة بهذه الصفات الخبيثة بحيث يحيلون الساحة الإسلامية إلى جحيم

--> ( 1 ) « صمغه » ما يجري من الشجرة من مادة لزجة .